حتمية تجديد الخطاب الديني
على الرغم من الجهود
المتضافرة التي يقوم بها كثير من الكتاب والمفكرين وأحيانا السياسيون حول حتمية
تجديد الخطاب الديني - بغض النظر عن مقصودهم ونواياهم إن كانوا يرمون من وراء تلك
الجهود لمصالح معينة ، أو إن كانت نابعة عن رغبة حقيقة للإصلاح - إلا أنني أرى أن هذه
الجهود من كتابات ومقالات ومحاضرات وندوات لم تحدد المشكلة الحقيقية في هذه
المسألة ، حيث إنها تركز على " أسلوب الخطاب الديني " الذي يجب أن يتغير
بما يوافق هذا العصر ، ورغم ذلك فإن تغيير الخطاب ليس هو المشكلة الحقيقية ،
فالمشكلة الحقيقية هنا تكمن في " مضمون الخطاب نفسه " .
وحاشا لله أن يفهم أحد أنني
أقصد بكلمة " مضمون الخطاب " أن أنسب أى قصور للإسلام فهذا محال .
إنما القصور موجود عند بعض
المشايخ والدعاة وغيرهم ممن يتحدثون باسم الإسلام ، حيث إنهم استقوا كثيرا من
المفاهيم الخاطئة عن طريق أقوال وروايات وردت لنا عن السلف ، واعتبروا هذه الأقوال
وتلك الروايات بمثابة نصوص دينية في حين إنها اجتهادات كانت لها ظروف معينة لأناس
عاشوا عالما غير عالمنا وواقعا غير واقعنا .
ونستطيع أن نقول إن الفئة
المعول عليها توصيل الدين للمجتمع بطريق مباشر أو غير مباشر سواء كانوا مشايخ أو
دعاة أو مفكرين أو أكاديميين متخصصين في العلوم الشرعية أو غير ذلك ، انقسموا في
مسألة تجديد الخطاب الديني إلى ثلاثة اتجاهات :
الاتجاه الأول ( المتشددون
) : اتجاه
يرفض مجرد سماع جملة " تجديد الخطاب الديني " ، ويتهم
كل من ينادى بها بأنه يحارب الإسلام والمسلمين ، متمسكون بكل ما هو قديم ورافضون
لكل ما هو جديد ، وهؤلاء هم الأكثر انتشارا ، وسيطرة على عقول وقلوب الناس ، وعلى
الإعلام الديني ، ولهم اتصال مباشر مع الجمهور ، ولديهم تلامذة من الدعاة والمشايخ
والطلاب في كل مكان ، يبلغون منهجهم للناس ، ويحفظون خطبهم ودروسهم ويلقونها على
الناس كما هي .
الاتجاه الثاني (
المتساهلون ) : اتجاه
يرفض كل ما هو قديم بشكل مبالغ فيه ، وصل بهم إلى الحد الذي جعلهم يحومون حول
ثوابت هذا الدين ، فترى من بينهم من يجيز التدخين للصائم في نهار رمضان
، أو يبيح للرجل أن يرضع من ثدي امرأة حتى تكون خلوتهما جائزة شرعا ، وهؤلاء أفراد
قلائل ليس لهم أتباع ولا قبول في المجتمع ، وكل كلامهم عبارة عن فرقعات إعلامية
تأخذ وقتها وتنتهي .
وبسبب شطحاتهم التي يبالغون
فيها جعلوا عامة المسلمين يلتفون حول المتشددين أكثر وأكثر خوفا على دينهم من
الضياع .
الاتجاه الثالث ( المعتدلون
) : اتجاه
وسطى معتدل ، يدعو إلى الإيمان
بالله بكل عقلانية ، ويدعو إلى التجديد مع التمسك بالأصالة ، ويحاول أن يوفق بين
الدين ومتطلبات العصر الحديث ، وهؤلاء معظمهم منظِّرون ومفكرون أكثر من كونهم دعاة
، ليس لديهم الوقت أو المجال للاحتكاك بالجمهور كغيرهم ، وليس لهم قاعدة من
المشايخ والدعاة على صعيد المجتمع ؛ لأن جُلَّ كلامهم فلسفي أكثر من كونه وعظيا ،
وأغلب المشايخ والدعاة لا يميلون إلى الكلام الفلسفي ؛ لأنهم وللأسف لا يدركون
أهميته بالنسبة لهم ، فمعظم قراءاتهم لا تتعدى كتب الوعظ والإرشاد ؛ لذلك دائما ما
يتلهفون على كتب الخطابة والوعظ يحفظون ما فيها ويلقونه على الناس ،
دون بذل أى جهد أو حتى مجرد التفكير فيما يحفظونه ويلقونه .
وما أراه أن الخطاب الديني لا يحتاج إلى تجديد
بقدر ما يحتاج إلى تصحيح ، فالمشكلة كما قلت في بداية كلامي ليست في
الأسلوب أو الطريقة التي يشرح بها المشايخ والدعاة الدين لجمهور المسلمين ، لكن
المشكلة الحقيقية في مضمون ما يوصلونه للناس من مفاهيم خاطئة اكتسبها هؤلاء عن
طريق مشايخهم ومعلميهم ، أو عن طريق الكتب التي يقرءونها ، ثم نقل هذه المفاهيم
بعد ذلك لجمهور المسلمين .
أوجزت فأنجزت،،،،،، تمام
ردحذفاستمر مجهد له قدره
ردحذف