دعاة المثالية المجنحة
يتحدث بعض الدعاة في
كثير من الأحيان فيغوصون في بحور من المثالية التي عاش فيها الصحابة و التابعون ،
دون أن يعرضوا بعض المواقف التي وقعت في عهدهم ، والتي تبين للناس أن الصحابة
والتابعين كانوا بشرا غير معصومين ، ولم يبلغوا درجة الكمال المطلق الذي
اختص الله سبحانه وتعالي به نفسه .
فما يحدث في واقع الدعوة أن
بعض الدعاة يتعمدون إخفاء الجوانب السلبية في حياة السلف ، ظنا منهم أن هذه
السلبيات لو وصلت إلي الناس في هذا العصر فسوف يكون لها تأثير سلبي عليهم ،
وربما يفهمها الكثيرون فهما خاطئا ، بل ربما يتخذها البعض ذريعة لارتكاب
المنكرات بحجة أن السلف وقعوا في الخطأ - كما يقولون - وهم لن يكونوا بأي حال
من الأحوال أفضل من السلف .
وهذا أسلوب فاشل بالمرة ، لأنه
من الواجب الإشارة إلي مثل هذه السلبيات بأسلوب تربوي هادف ، يبين للجيل المعاصر
أن الصحابة رضوان الله عليهم نمط من أنماط البشر فريد ومتميز ، أكرمهم
الله بوجود الرسول بين ظهرانيهم ، لكنهم في الوقت نفسه ليسوا
ملائكة ولا معصومين ، فهم أيضا يخطئون كسائر البشر.
لقد روت كتب السنة الصحيحة أن حديث الإفك قد
سري علي ألسنة بعض الصحابة ، بل وأن شَّّّّّّكاً وقع في بعض
النفوس وكاد أن يحدث قتالا بين الأوس والخزرج ، وذلك عندما صعد النبي صلي
الله عليه وسلم المنبر ، وقال : " يا معشر المسلمين من
يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي ( وكان يقصد عبد الله بن أبى
بن سلول ، وهو من الخزرج ، وهو أول من خاض في عرض السيدة عائشة
رضي الله عنها ) فوالله ما علمت علي أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا
رجلا ( وكان يقصد هنا صفوان بن المعطل ، الذي اتهم ظلما في حادث الإفك
مع السيدة عائشة رضي الله عنها ) ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل علي أهلي إلا
معي .
فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال :
يا رسول الله ، أنا أعذرك منه ، فإن كان من الأوس ضربت عنقه ،
وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك .
فقام سعد بن عباده وهو سيد
الخزرج ، بعد أن احتملته الحمية ، فقال لسعد بن معاذ : كذبت
لعمر الله لا تقتله ولا تقدر علي قتله .
فقام أسيد بن حضير - وهو
ابن عم سعد بن معاذ - فقال لسعد بن عباده : كذبت لعمر الله لنقتلنه
فإنك منافق تجادل عن المنافقين ، فتساور الحيان الأوس والخزرج حتى
هموا أن يقتتلوا ورسول الله قائم علي المنبر ، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا
وسكت " .
ولاشك أن الأنصار رضوان
الله عليهم برغم منزلتهم ومكانتهم العظيمة سقطوا في هذا الموقف العصيب
الذي مر به النبي صلي الله عليه وسلم ، وليس من المصلحة مطلقا ألا نبين
للناس أن الأنصار لم يراعوا الأزمة التي مر بها النبي ، وأنهم أخطئوا خطأ
كبيرا عندما تحكمت فيهم العصبية وأخذتهم الحمية ، حتى كاد أن يحدث بين الأوس
والخزرج قتال وهم بين يدي رسول الله وفي مسجده.
إن
رسول الله في حاله المعتاد كان من أكثر ما يكدره أن يري بين اثنين من
صحابته مشاحنة ، فكيف يرى ـ وهو في حال أزمته وشدته العصيبة التي لا
يتحملها أي إنسان ـ بين صحابته ما رأي ، وقد كان أحوج ما يكون
إليه صلي الله عليه وسلم أن يرى من ينصره ويقف بجانبه ، لا إلي من تأخذهم الحمية
والعصبية العمياء إلي موقف آخر يجعل شدة الأزمة التي هو فيها تتزايد عليه .
لك الله ياأخي دخلت عش الدبابير بإرادتك
ردحذفلك الله ياأخي
ردحذف