الأربعاء، 1 أبريل 2020

6 / سياسة جذب الجمهور


سياسة جذب الجمهور
كان أحد الدعاة المشهورين جدا علي مستوي العالم الإسلامي يتحدث في إحدى القنوات الفضائية عن موقف لأحد السلف ويدعى أبو حازم وهو من التابعين ، والقصة طويلة تتلخص في الآتي :
" أنَّ هذا التابعي التقى يوما أحد صحابة رسول صلي الله عليه وسلم ، فقال له هذا الصحابي : كنت سابع سبعة مع رسول الله فأخذ النبي علينا عهودا ، وذكر من هذه العهود ( وأن لا نسأل أحدا شيئا إلا الله ) ، فقال أبو حازم للصحابي : وأنا أعاهد رسول الله علي ما عاهدتموه عليه .
وبعد أيام والتابعي يمشي في مكان ما ، إذ به يسقط في بئر مهجور ليس به ماء ، فقال : أنتظر حتى يمر أحد الناس فاستنجد به .
وبعد فترة سمع شخصين يتحدثان فهمَّ أن يستنجد بهما ، لكنه تذكر عهده الذي أخذه على نفسه مثل السبعة الذين كانوا مع رسول الله فلم يستنجد بهما حفاظا على عهده واحتسب ذلك عند الله .
لكنه سمع  هذين الرجلين وهما يتفقان علي أن يأتوا بصخرة كبيرة ليسدوا البئر ، خوفا من أن يقع  بها إنسان ، فهمَّ أن يستنجد بهما لما شعر أن الأمر ضاق عليه ، إلا إنه قال وفائي للعهد الذي قطعته على نفسى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أهم من حياتي ،  وبالفعل لم يستنجد بهما ، برغم أنه قد شعر بهما وهما يضعان الصخرة علي البئر وينصرفا .
جلس أبو حازم منفردا لكن لديه يقين تام بأن الله  سبحانه وتعالى منجيه ، وبالفعل لم يمض كثير من الوقت حتى شعر أبو حازم بيد تمتد إليه وتنتشله من البئر ، وتأخذه علي سطح الأرض ، وإذا به يسمع صوتا يقول له : هذا جزاء المتوكل يا عبد المتوكل " .
وبعدما أنهى الشيخ القصة أخذ يحكي كيف أن الصحابة رضوان الله عليهم كان الواحد منهم يكون علي فرسه فيقع منه الشيء فينزل ليأخذه ، ولا يطلب من أخيه الذي يمشي على الأرض أن يناوله ما وقع منه ، تنفيذا لعهد رسول الله .
وهذه القصة نموذج من عشرات  بل مئات القصص التي يقذفها الدعاة على الناس سواء عبر المنابر يوم الجمعة ، أو من خلال الندوات والمحاضرات أو البرامج الدينية علي الفضائيات .
والأخطر من ذلك تلك التعليقات الساذجة التي تصدر من الدعاة والمشايخ على هيئة نصائح أو دروس مستفادة من هذه القصص .
والناس يتلقون الكلام الذي يخرج من أفواه هؤلاء علي أنه دين و تشريع ، في حين أن كثيرا من مفاهيم هذه القصص تخالف مفاهيم المنهج القرآني و السنة النبوية المطهرة وهما الأصلان الأساسيان اللذان نستقى منهما المفاهيم والأحكام .
وهذه القصة التي نحن بصددها والتي رويت علي لسان داعية مشهور ، تثق جماهير الأمة في كلامه ، وتتلقفه على أنه دين وتشريع وتستقى من كلامه مفاهيم كثيرة لا أقول إنها تضر بل أقول إنها تدمر الثقافة الإسلامية وتشكل بدلا منها ثقافة خاطئة تقوم علي عدم الأخذ بالأسباب وعدم التعاون بين الناس .
فديننا الإسلامي لم يمانع أبدا استعانة الإنسان بالإنسان من باب الأخذ بالأسباب ، لا من باب الاعتماد كلية علي غير الله  ونسيان فضله ، وحكمه ، وما يقدره سبحانه وتعالي علي عباده .
أما ما قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله للصحابة السبعة الذين أخذوا منه تلك العهود ، عندما قال لهم : " ولا تسألوا أحدا شيئا إلا الله " : أي لا تذلوا أنفسكم بسؤال أحد إلا الله سبحانه وتعالى .
فإن كان السؤال بكرامة وشرف وعزة نفس وإيمان حقيقي بأن الذي نسأله سبب يَسَّر الله على يديه الأمور فلا مانع مطلقا منه ، أما إذا كان السؤال فيه مذلة للنفس أو تعظيم لغير الله فلا يجوز ذلك مطلقا .
ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا صراحة في الحديث الصحيح : " اطلبوا الحوائج بعزة النفس فإن الأمور تجرى بمقادير ".
ثم إن الأمور الحياتية البسيطة لا يمكن أن تكون داخلة في مقصود النبي على الإطلاق ، لأن الدنيا بأكملها قائمة على التعاون بين الناس ، على الأقل في الأمور العادية ، قال تعالى في سورة المائدة :
" وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ "
فعندما يسأل الراكب على فرسه أخاه الذي يمشى على الأرض أن يناوله ما وقع منه ، تكون المعاونة فرضا على الذي يمشى – كما نفهم من الآية الكريمة - وليس تفضلا منه ، وذلك أبسط أنواع التعاون بين الناس .
والمسلمون إن لم يتعاونوا في مثل هذه الأمور الحياتية البسيطة ، ففي أي شيء بعد ذلك سيتعاونون ؟
فإن لم يتعاون الناس في مثل هذه الأمور البسيطة ، فلن يتعاونوا في أي شيء آخر، وسيفقد الناس بهذا الأسلوب الترابط فيما بينهم ، وتفقد العلاقات بينهم معاني الألفة والمحبة ، وكل هذا لا يتفق مطلقا مع المبادئ التي جاء بها الإسلام .
نخلص من ذلك إلى أن ذلك التابعي ومن سار على دربه قد فهم كلام النبي صلى الله عليه وسلم بشكل خاطئ لدرجة أنه أسقطه على موقف بسيط ، وأمر حياتي عادي ، وقد أولَّ كلام النبي تأويلا غريبا وعجيبا وغير مقبول بالمرة .
إن الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه استجار بعد عودته من الطائف بمطعم ابن عدي وهو رجل مشرك كما نعلم ، فهل أبو حازم رضوان الله عليه مهما كانت مكانته كان أحرص علي عدم سؤال أحد غير الله من رسول الله ؟
للأسف إن كثيرا من الدعاة والمشايخ لا يدركون خطر هذه القصص التي يستسهلون حديثهم بروايتها لجذب عقول الناس ، وترقيق قلوبهم ، وإظهار صورة السلف بهذا الشكل الأسطوري ، ليتخذهم الناس قدوة دون أن يجتهدوا في فهم نصوص القران والسنة فهما صحيحا ، وتوصيل المفاهيم الصحيحة للمسلمين ، وهذا الاستسهال ليس لنبل المقصد غالبا ، ولكن كثيرا ما تكون هذه القصص عامل جذب للجمهور ولزيادة الملتفين حول الداعية أو الشيخ ، خاصة أن عامة المسلمين لا يريدون أن يتلقوا مناهج عملية ليطبقوها على أرض الواقع ، بل يريدون أن يسمعوا مثاليات خيالية يذهب معها خيالهم بعيدا عن الواقع الذي يعيشونه .

هناك تعليقان (2):