الأربعاء، 1 أبريل 2020

7 / خلاف بين أبى بكر وعمر ــ رضى الله عنهما ــ

 خلاف بين أبى بكر وعمر ــ رضى الله عنهما ــ
جاء في صحيح البخاري ، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : " كانت بين أبي بكر وعمر محاورة ، فأغضب أبوبكر عمر ، فانصرف عنه عمر مغضبا ، فاتبعه أبوبكر يسأله أن يستغفر له ، فلم يفعل ، حتى أغلق عمر بابه في وجه أبى بكر ، فأقبل أبو بكر إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فقال أبو الدرداء : ونحن عنده فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : أما صاحبكم هذا فقد غامر أي خاصم  ، قال : وندم عمر علي ما كان منه ، فأقبل حتى سلم وجلس إلي النبي صلي الله عليه وسلم ، وقص علي رسول الله الخبر .
فقال أبو الدرداء : وغضب رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وجعل أبو بكر يقول : والله يا رسول الله لأنا كنت ظالما ، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : هل أنتم تاركو لي صاحبي إني قلت : ياأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا فقلتم : كذبت وقال أبو بكر : صدقت "
هذا الموقف كان موضوعا لإحدى خطب الجمعة  التي ألقيتها في أحد المساجد ، وأخذت أبين للناس من خلاله منزلة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقدرهما في الإسلام ، وأنهما باتفاق الأمة - كما ورد في عدة أحاديث صحيحة - أفضل الصحابة علي الإطلاق ، وبرغم ذلك فإنهما ليسا معصومين .
وأخذت أوضح للناس أن الإنسان مهما كان صاحب خلق فهو في النهاية بشر ، ربما تغلبت عليه نفسه أو شهوته أو دنياه أو هواه ، والفرق بين الإنسان صاحب الخلق وبين غيره ، أن صاحب الخلق لا يستسلم لانهزام نفسه أمام هذه الأشياء ، وهو ما فعله الصحابيان الجليلان ، فعمر رضي الله عنه ندم لأنه لم يقبل اعتذار أبى بكر عندما ذهب إليه ليعتذر ، وأبو بكر ذهب خلف عمر يطلب منه الصفح ولم يكابر عندما شعر بأنه هو الذي أخطأ ، ورغم أن عمر أغلق الباب في وجه أبي بكر ، فلم تأخذ أبابكر  العصبية ، وذهب إلي النبي صلي الله عليه وسلم ، واعترف بأنه هو المخطئ ، وهذا يرفع من شأنهما لا يقلل منه على الإطلاق .
وقلت للناس : إذا كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما  قد ضربا لنا أروع الأمثلة في العبادة والزهد في الدنيا ، فلقد ضربا لنا مثلا أروع بكثير في التسامح والاعتراف بالخطأ من خلال هذا الموقف ، لأن العبادة أسهل بكثير على نفس الإنسان من الاعتراف بالخطأ والرجوع إلى الحق ، لذا من الواجب علينا أن نقتدي بهما في هذا الموقف ، أكثر من الاقتداء بهما في كثرة النوافل المتعلقة بشتى أشكال العبادة والذكر ، وخاصة أن هذا الموقف متعلق بحق الغير ، والله أحرص علي حق العباد أكثر من أي شي آخر .
هذه هي الفكرة التي دارت حولها الخطبة من خلال هذا الموقف الذي حدث بين الصحابيين الجليلين ، وفوجئت بعد الخطبة ببعض الطلاب المتخصصين في العلوم الشرعية يوجهون إليَّ الاتهام بأنني أريد أن أشوه صورة الصحابة ، وأنني أتجاهل حياة الصحابة المليئة بالمواقف العظيمة والإيجابية ، وأتعمد ذكر هذه المواقف الاستثنائية التي ليس من الواجب أن تستوقفنا أثناء قراءتنا لها ، فضلا عن الإتيان بها وطرحها في خطب الجمعة ، وذكرها أمام عامة المسلمين .
 وأخذت الاتهامات تنهال عليَّ من قبلهم حتى طالبني أحدهم بالتوبة ، كل هذا وأنا لم أرد بكلمة واحدة ، ليس عن ضعف مني بل لأنني أدركت أني لو تكلمت  سأدخل مع هذه العقول المتحجرة في جدل عقيم لا يفيد ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : " أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقا "
وإني أرى أن ذكر هذه المواقف أمر من الأهمية بمكان ، فمثلا الرماة الذين تخلوا عن مواقعهم في غزوة أحد مخالفين بذلك أمر الرسول صلي الله عليه وسلم القائد ، ألا يصح أن نشير إلي اجتهاد خاطئ وقعوا فيه ، فأدي إلي الكارثة التي لحقت بالمسلمين في المعركة ، بعد أن بدأت بنصر المسلمين وهزيمة المشركين غفر الله لنا وللصحابة أجمعين .
إن الواجب يحتم علينا أن نتحدث عن سلبيات وقعت من البعض في معركة أحد ، وأن نبين الأسباب والنتائج التي أدت إليها تلك  السلبيات ، مثلما نتحدث عن إيجابيات بدر وثمراتها ، وأن نقدم الدراسة التحليلية الواعية لكلتا المعركتين ، لنضع بين يدي المسلمين عامة ، والجيل المعاصر خاصة ، الممارسات الخاطئة لتجنبها والحذر منها خشية الوقوع فيها .
إن الله سبحانه وتعالي لما أراد أن يرسل رسلا فإنه لم يرسل إلي البشر ملائكة ، ولكنه أرسل رسلا من البشر أنفسهم ، جعلهم أنبياءه وسفراءه إلى الخلق ، يبلغون عنه جلا وعلا ،  رسلا يأكلون ويشربون وينامون ، يتزوجون ويتناسلون ويمرضون ويصحون ويموتون مثل بقية البشر ، لكي لا يكون للناس علي الله حجة بعدهم ، فلو أرسل الله ملائكة أو ملكا لقوم ما ، لقال البشر : إن هذا ملك لا نستطيع أن نفعل مثل ما يفعل ،  ولا نستطيع أن نعبد الله مثلما يعبد ، قال تعالى في سورة الأنعام :
" وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ"
وقال تعالى في سورة الإسراء:
" قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا "
هكذا يجب أن يفهم الدعاة ألا يظهروا صورة الصحابة والسلف علي أنهم ملائكة ، أو أنهم معصومون ، ذلك لأن القدوة يجب أن تكون طبيعته ملائمة لمن يقتدي به ، فإذا أراد الدعاة من جمهور المسلمين أن يقتدوا بالصحابة والسلف ، فواجب عليهم أن يتحدثوا عن الأخطاء التي وقعت من الصحابة والسلف ، وكيف عالج الإسلام هذه الأخطاء بأسلوب تربوي هادف ، وكيف اطلع الإسلام علي الانحرافات التي يمكن أن تقع من البشر وأرشدنا إلي طريقه تقويمها .
وبذلك تصنع النفوس السوية في الحياة بكل ما فيها من عوج واستقامة وواقع ومثالية لتكون لدينا تربية إسلامية متكاملة كفيلة بعلاج المواقف وحل المشكلات .

هناك 3 تعليقات: